الذهبي

312

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

فكان أوّل من هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد إلى المدينة ، هاجر إليها قبل العقبة الكبرى بسنة ، وقد كان قدم من الحبشة مكة ، فآذته قريش ، وبلغه أنّ جماعة من الأنصار قد أسلموا ، فهاجر إلى المدينة . فعن أمّ سلمة قالت : لمّا أجمع أبو سلمة الخروج رحّل لي بعيره ، ثمّ حملني وابني عليه ، ثمّ خرج بي يقودني . فلمّا رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه ، فقالوا : هذه نفسك غلبتنا عليها ، هذه [ ( 1 ) ] ، علام نتركك تسير بها في البلاد ! فنزعوا خطام البعير من يده ، فأخذوني منه ، وغضب عند ذلك رهط أبي سلمة ، فقالوا : واللَّه لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا ، فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبد الأسد ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، فانطلق زوجي [ ( 2 ) ] إذ فرّقوا بيننا ، فكنت أخرج كلّ غداة فأجلس بالأبطح ، فلا أزال أبكي حتى أمسى ، سنة أو قريبا منها . حتى مرّ بي رجل من بني عمّي فرحمني ، فقال : ألا تخرجون من هذه المسكينة ، فرّقتم بينها وبين ولدها ؟ فقالوا لي : الحقي بزوجك ، قالت : وردّ بنو عبد الأسد إليّ عند ذلك ابني . فارتحلت بعيري ، ثمّ وضعت سلمة في حجري ، وخرجت أريد زوجي بالمدينة ، وما معي أحد من خلق اللَّه . قلت : أتبلّغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي ، حتّى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة العبدريّ ، فقال : إلى أين يا بنت أبي أميّة ؟ قلت : أريد زوجي بالمدينة . قال : أو ما معك أحد ؟ قالت : قلت : لا واللَّه إلّا اللَّه وبنيّ هذا ، قال : واللَّه ما لك من مترك . فأخذ بخطام البعير ، فانطلق معي يهوي بي ، فو اللَّه ما صحبت رجلا من العرب ، أرى أنّه أكرم منه ، كان أبدا إذا بلغ المنزل أناخ بي ، ثمّ استأخر عنّي حتى إذا نزلت استأخر ببعيري ، فحطّ عنه ، ثمّ قيّده في

--> [ ( 1 ) ] في سيرة ابن هشام 2 / 211 ( أرأيت صاحبتك هذه ؟ ) . [ ( 2 ) ] في السيرة « أبو سلمة إلى المدينة ، قال : ففرّق بيني وبين زوجي وبين ابني » .